❗️sadawilaya❗
بقلم بدور الديلمي
حين تنظر إسرائيل والتيارات المؤيدة للتطبيع إلى المشهد اليمني في ذكرى المولد النبوي الشريف، فإنها لا ترى مجرد احتفال ديني واسع؛ بل ترى مجتمعًا ما زال قادرًا على الحشد، والتماسك، وإظهار هويته، والتمسك بذاكرته الدينية رغم سنوات الحرب والحصار والضغوط.
وهنا تكمن أهمية المشهد.
فالحروب لا تستهدف الجغرافيا والقدرات فقط، بل تراهن أحيانًا على إنهاك المجتمع وتفكيك تماسكه وإضعاف هويته. ولذلك فإن استمرار المناسبات الدينية الكبرى بهذا الحضور الشعبي يحمل دلالة اجتماعية وسياسية واضحة: المجتمع الذي يحافظ على هويته، يصعب إخضاع وعيه أو إعادة تشكيل مواقفه بسهولة.
لماذا يلفت المشهد الانتباه؟
لأن اليمن لا يعيش ظروفًا طبيعية؛ فهو بلد أنهكته سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والضغوط السياسية، ومع ذلك تستمر المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى بحضور لافت.
وهذا يعني أن الضغوط، مهما بلغت، لم تستطع محو الذاكرة الجمعية أو اقتلاع المناسبات المتجذرة في وجدان المجتمع.
ومن زاوية سياسية، فإن هذه النقطة مهمة جدًا:
القوة ليست فقط في السلاح، وليست فقط في الميدان؛ القوة أيضًا في مجتمع يمتلك هوية واضحة، وذاكرة حية، وقدرة على الاجتماع حول رموزه وقيمه.
إسرائيل لا تقرأ الحشود وحدها.. بل تقرأ ما وراءها
قد لا يكون السؤال الإسرائيلي الحقيقي: كم شخصًا شارك في الاحتفال؟
السؤال الأعمق هو:
ماذا يعني أن يبقى هذا المجتمع متماسكًا وقادرًا على التعبير الجماعي عن هويته بعد كل هذه السنوات من الحرب والضغوط؟
وهنا يصبح المشهد أبعد من مناسبة دينية.
إنه مؤشر على أن محاولة إضعاف الموقف اليمني لا يمكن فهمها فقط من خلال الحسابات العسكرية؛ لأن خلف الموقف السياسي بيئة اجتماعية وثقافية تمنحه مساحة من الاستمرار والتأثير.
ولهذا فإن الرهان على إنهاك اليمن لا يقتصر على استهداف قدراته، بل يرتبط أيضًا بمحاولة التأثير في وعي المجتمع وموقفه وهويته.
والمطبعون أمام سؤال أكثر إحراجًا
أما التيارات التي تراهن على التطبيع بوصفه طريقًا لتغيير المنطقة، فإن المشهد اليمني يطرح أمامها سؤالًا واضحًا:
هل تستطيع الاتفاقيات السياسية أن تغيّر قناعات الشعوب؟
الإجابة ليست واحدة في كل المجتمعات، لكن المشهد اليمني يؤكد لدى المحتفلين بالمولد أن الهوية الشعبية أعمق من العلاقات الرسمية، وأن الذاكرة الدينية والثقافية لا تُلغى بمجرد توقيع اتفاق سياسي.
فالتطبيع قد يكون قرارًا بين حكومات، لكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمعات ستتبنى الرؤية نفسها.
وهنا تحديدًا تكمن حساسية المشهد بالنسبة للمطبعين.
المولد وفلسطين.. سياقان يلتقيان في الوعي اليمني
وفي ظل استمرار الحرب على غزة، لا يمكن تجاهل حضور القضية الفلسطينية في الوعي السياسي والشعبي اليمني.
فالمناسبة الدينية تجري في بيئة سياسية ترى في فلسطين قضية مركزية، بينما تؤكد صنعاء في خطابها السياسي موقفًا معلنًا تجاه الحرب على غزة وإسرائيل.
وهذا التداخل بين الديني والاجتماعي والسياسي يجعل قراءة المشهد اليمني أكثر تعقيدًا من اختزاله في حدث احتفالي.
ومع ذلك، يجب التأكيد بوضوح:
المولد النبوي الشريف مناسبة دينية وثقافية، وليس عملًا عسكريًا ولا تهديدًا مباشرًا لأي طرف.
إنما دلالته السياسية تأتي من حجم الحضور الشعبي ومن قدرته على كشف طبيعة الهوية الاجتماعية في اليمن.
الرسالة الأقوى
إذا كان الرهان على أن سنوات الحرب ستُنهك المجتمع اليمني حتى يفقد تماسكه وهويته، فإن مشهد المولد يقدم صورة أخرى:
اليمنيون ما زالوا يجتمعون حول مناسبتهم الدينية، وما زالت ذاكرتهم حاضرة، وما زالت هويتهم قادرة على إنتاج مشهد شعبي واسع.
وهنا تصبح الرسالة أكثر وضوحًا:
قد تُستنزف الموارد، وقد تشتد الأزمات، وقد تتبدل الظروف السياسية، لكن تغيير هوية المجتمع ليس مهمة سهلة.
فالمجتمع الذي يحافظ على ذاكرته لا يبدأ من الصفر، والمجتمع الذي يتمسك بهويته لا يمكن اختزاله في معادلة عسكرية فقط.
الخلاصة
المولد النبوي الشريف في اليمن ليس رسالة حرب إلى أحد، لكنه يكشف حقيقة سياسية واجتماعية مهمة:
أن الهوية ما زالت حاضرة، وأن المجتمع لم يفقد قدرته على الاجتماع، وأن الذاكرة الدينية والثقافية ما زالت عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي العام.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يُقرأ بعناية.
فإسرائيل قد تراقب الميدان، والمطبعون قد يراقبون السياسة، لكن خلف الميدان والسياسة يوجد مجتمع وهوية وذاكرة.
ومن لا يفهم هذه العناصر الثلاثة، لن يستطيع أن يفهم اليمن ومواقفه وتحولاته فهمًا كاملًا.
بقلم: الدكتورة بدور الديلمي
باحثة في الشؤون السياسية